الشيخ كامل نوار
وُلد الشيخ محمد محمد عيد، المعروف باسم الشيخ كامل نوار، في قرية الحجايزة بمركز السنبلاوين بمحافظة الدقهلية، في الحادي والعشرين من أبريل عام 1928. نشأ في بيئة ريفية بسيطة، وبدأ رحلته مع كتاب الله في كتاتيب القرية، فأتم حفظ القرآن الكريم في سنٍ مبكرة، وكان نظره سليمًا حتى ابتُلي بمرض في عينيه، كان أول امتحانٍ قاسٍ في حياته.
خطأ علاجي بسيط، لكنه كان فادح الأثر. علاج شعبي غير صحيح أضر بعينيه، ثم رحلة قصيرة مع طبيب أجنبي بالزقازيق، تحسّن بعدها نظره، لكن ظنّ الأهل أن الخطر زال، فتأخر العلاج اللازم، فعاد المرض أشد وأقسى، ولم يكن الطبيب موجودًا حين احتاجوه، لتبدأ رحلة طويلة من الألم والمعاناة.
وسط هذه المحنة، لم ينكفئ الشيخ كامل نوار على وجعه، بل حوّل الألم إلى رسالة. أنشأ كُتّابًا في قريته لتحفيظ أطفالها القرآن الكريم وتعليمهم أحكام التلاوة والتجويد. ومن بين هؤلاء الأطفال خرج من صار سفيرًا، وطبيبًا، ومهندسًا، وقيادات في مواقع مختلفة، ليبقى أثر الشيخ ممتدًا في الناس قبل أن يكون في التسجيلات.
ذاع صيته في قريته والقرى المجاورة، قارئًا للقرآن في المناسبات، ومنشدًا لمدح النبي ﷺ في الاحتفالات الدينية، بصوتٍ صادق، لا يعرف الزخرفة الزائدة، ولا يبحث عن التصفيق، بل عن القبول.
وكان الطموح يسكنه؛ حلم بأن يكون صوتًا معتمدًا في الإذاعة المصرية. وفي عام 1963 شدّ الرحال من السنبلاوين إلى الجيزة، حيث استُقبل بحفاوة، وأُعجب الناس بصوته. وهناك وُلد الاسم الذي عرفه به الملايين؛ حين رأى أحد وجهاء الجيزة أن لقب “الجزار” لا يليق بصوتٍ يحمل كل هذا النور، فطبع له بطاقات باسم كامل نوار… اسمٌ صار علامة في عالم الابتهال.
تقدّم لاختبارات الإذاعة المصرية، فاجتازها بنجاح، واعتمد مبتهلًا دينيًا عام 1972، ليشارك في إذاعة شعائر الفجر، ويجوب محافظات مصر مع إذاعة القرآن الكريم، ويكون أحد أصوات برنامج الأمسية الدينية، البرنامج الجماهيري الأشهر في تاريخ الإذاعة.
وفي عام 1973، اعتمده التليفزيون المصري، وسجّل حلقات برنامج الفن الشعبي في زمن الانتصار الوطني، ثم اعتمد قارئًا للقرآن الكريم بالإذاعة عام 1978، ليجمع بين شرف التلاوة وجلال الابتهال، في زمنٍ كان يُعرف بالعصر الذهبي للتلاوة المصرية.
لكن المرض لم يتركه. تفاقمت آلام عينيه حتى أصبحت تهدد صحته كلها. وبنصيحة طبية قاسية، استجاب الشيخ، واستأصل عينيه عام 1975، ليعيش فاقد البصر، لكنه لم يفقد البصيرة، ولا انقطع صوته عن ذكر الله.
تزوّج، ورُزق بثمانية من الأبناء، وعاش حياته ثابتًا على طريقه، حتى رحل في 11 يناير 1984، عن عمر لم يتجاوز 56 عامًا، تاركًا وراءه مكتبة عامرة من التسجيلات، وأثرًا لا يُقاس بالعمر.
شاركَ في تقييمِ موقعنا على Google